Back

الركائز الثلاث للتمويل التنموي.. مصرف الإمارات للتنمية يرسم طريق الشركات الصغيرة والمتوسطة في رحلة النمو المستدام

الإمارات العربية المتحدة -- تظهر بوضوح بصمة الشركات الصغيرة والمتوسطة في اقتصاد دولة الإمارات، من المؤسسات الصناعية إلى شركات الخدمات والنقل، وصولا إلى المطاعم والمنشآت السياحية، فجولة واحدة في شوارع مدن الدولة التي تنبض بالحياة، وأسواقها التي تضج بالنشاط والحيوية، تكفي لرسم صورة واضحة حول المكانة التي يحتلها هذا القطاع في رحلة التحول الصناعي والتنويع الاقتصادي على المستوى الوطني.

ولو تحدثنا بلغة الأرقام، فسنجد أن قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة يمثل ما يفوق 94% من إجمالي عدد الشركات العاملة في الدولة ويوفر وظائف لأكثر من 86% من القوى العاملة في القطاع الخاص. وفي إمارة دبي وحدها على سبيل المثال، تساهم الشركات الصغيرة والمتوسطة بنحو 40% في الناتج المحلي الإجمالي.

وواقع الحال هو أن هذا القطاع ينمو في ظل رؤية حكومية متقدمة تدعم المبادرات الفردية والابتكار والإبداع، وتوفر لها الحاضنات التي تسمح بنموها واستدامتها، وتجذب المواهب والكفاءات من حول العالم، فلدى حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة التزام واضح بتعزيز نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة وبلورة جهود دعم رواد الأعمال للدفع باتجاه التحول نحو اقتصاد وطني قائم على المعرفة.

غير أن الارتقاء بالقطاع إلى مستوى الأهداف المرسومة له على المستوى الوطني يرتبط إلى حد كبير بحصول الشركات الصغيرة والمتوسطة على الدعم اللازم وتأدية دور حيوي خلال هذه المسيرة. وقد أتيحت لي خلال تجربتي الطويلة في العمل المصرفي ضمن القطاع الخاص الفرصة لرؤية ذلك عن كثب، فالقواعد التي تحكم العمل المصرفي التجاري حول العالم تعطي الأولوية لمعايير المخاطر والربح والخسارة والمنفعة الحدية والضمانات ومستويات الفائدة، وهي قواعد رغم أهميتها لأي عمل تجاري، إلا أنها تزيد التعقيدات التي تعترض طريق الشركات الناشئة، خاصة في مراحل عملها الأولى.

ولذلك، يمثل الوصول إلى التمويل عقبة رئيسية تهدد نمو الشركات الصغيرة ومتناهية الصغر  ليس فقط في الإمارات فحسب، بل على مستوى العالم ككل. إذ تُظهر بيانات من 119 دولة نامية أن الشركات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة ترى في الوصول إلى التمويل العقبة الأصعب التي تعيق نجاحها.

وتواجه هذه الشركات، وخاصة منها المتناهية الصغر، ثغرات تمويلية حيث تجد عموماً صعوبة في الاقتراض من مؤسسات التمويل العادية. ويعود ذلك بشكل أساسي إلى عدم اتساق المعلومات الخاصة بهذه الشركات وافتقادها إلى تاريخ ائتماني، وغياب التوثيق الرسمي، وغير ذلك من العوامل، مما يؤدي إلى عدم رغبة المقرضين في تقديم التمويل.

وحتى لو حصلت تلك الشركات على موافقة لنيل التمويل، فإن المطاف ينتهي بها عادة بعمليات موافقة تستغرق وقتاً طويلاً وتتطلب ضمانات مادية مثل الممتلكات المنقولة أو الحصول على وثائق يتطلب استخراجها زمناً طويلا.

ووفقاً لدراسة أجرتها ماستركارد مؤخراً، أشارت 60% من الشركات الصغيرة والمتوسطة في الإمارات أن أهم هواجسها تتمثل في تحدي الحفاظ على أعمالها وتنميتها. أما بالنسبة للمخاوف على مدى الأشهر الـ 12 المقبلة، فقد رأت 61% منها أنها تتمثل في ارتفاع تكلفة ممارسة الأعمال، بينما شددت  38% منها على ضرورة تسهيل الوصول إلى مصادر التمويل أو الاستثمارات الرأسمالية. وذكرت الدراسة أن الشراكات مع القطاع الخاص، والمبادرات التي تقودها الحكومة، تمتلك أكبر إمكانية للتأثير إيجابياً على الشركات الصغيرة والمتوسطة وسوق الإمارات ككل بواقع 57% و53% من آراء الشركات على التوالي.

إن المعالجات التقليدية لقطاع غير تقليدي مثل الشركات الصغيرة والمتوسطة والناشئة لن يُكتب لها النجاح، فقد علمتنا التجارب العملية أن علينا أن نكون على مستوى سرعة التحولات في الاقتصاد وأن نستجيب للطبيعة المبتكرة لهذه الشركات عبر طرح حلول مبتكرة، كما علمتنا تجارب العمل المصرفي أن هذه الحلول تحتاج إلى ثلاثة ركائز، القرار السياسي والمحرك المالي وأداة التشغيل.

وحقيقة الأمر أن القرار السياسي موجود وعلى أعلى مستوى، فرؤية دولة الإمارات واضحة بدعم رواد الأعمال والشركات الصغيرة والمتوسطة، نظرا للدور الحيوي الذي تلعبه تلك الأطراف في تعزيز الاقتصاد الوطني، وأهميتها في تحفيز الوصول إلى اقتصاد معرفي تنافسي مبتكر ومستدام.

أما عند الحديث عن المحرك المالي، فيبرز الدور الحيوي الذي يلعبه مصرف الإمارات للتنمية لصالح برامج حيوية على رأسها الاستراتيجية الوطنية للصناعة والتكنولوجيات المتقدمة وبرامج التنوع الاقتصادي الأوسع على مستوى الدولة.

فبالتوازي مع إصدار مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي مؤخرًا لوائح لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة وتعزيز أفضل الممارسات للشركات المالية المرخصة أثناء التعامل مع الشركات الصغيرة والمتوسطة، أعلن مصرف الإمارات للتنمية عن محفظة ائتمانية بقيمة 30 مليار درهم ستستفيد منها بشكل كبير الشركات الصغيرة والمتوسطة في الدولة، إذ تلحظ خططنا توفير الدعم لصالح 13,500 شركة والمساعدة في إيجاد 25,000 فرصة عمل جديدة بعام 2025، وهذا كله سيكون له أثر إيجابي كبير على الناتج المحلي الإجمالي للدولة، إذ نتطلع إلى زيادة المساهمة الإجمالية لقاعدة عملاء المصرف في الناتج المحلي للدولة من 950 مليون درهم حالياً إلى أكثر من 10 مليارات درهم بحلول 2031، وسيحظى عملاء المصرف بحزم مالية متنوعة، تتراوح بين الاستثمارات الرأسمالية والتمويل المباشر وصولا إلى الضمانات الائتمانية وبرامج دعم الصادرات، إلى جانب التقديمات غير المالية، مثل التدريب ودراسات الجدوى والاستشارات.

وقد أنجز المصرف بالفعل توقيع العديد من مذكرات التفاهم مع مصارف وطنية رائدة لمشاركتها في توفير حزم التمويل أو تقديم ضمانات لقروضها المخصصة للشركات الصغيرة والمتوسطة بهدف تشجيعها على إقراض تلك الشركات، كما عقد المجلس اتفاقيات شراكة وتعاون مع عدد كبير من الهيئات الاقتصادية المحلية والمناطق الاقتصادية أو الحرة في مختلف إمارات الدولة بشكل يتيح الوصول المتبادل إلى الخدمات وقواعد البيانات للشركات المسجلة لديها من أجل توسيع دائرة الخدمات المقدمة.

ومن خلال دعمه المالي، لا سيما في قطاعات الشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة في عدد من صناعات المستقبل، لن يكتفي مصرف الإمارات للتنمية بتعزيز منظومة في الدولة فقط، بل سيساهم بشكل كبير أيضًا في تحقيق رؤية قيادتنا للتنمية المستدامة.

أما أداة التشغيل، فلا بد أن ترتقي أيضا إلى مستوى التحدي الذي يفرضه الاقتصاد السريع التحرك والتبدل في عالم اليوم، ولذلك، عقد مصرف الإمارات للتنمية شراكة مع YAP، إحدى الشركات الرائدة في مجال التكنولوجيا المالية في الإمارات، لإطلاق تطبيق مصرف الإمارات للتنمية للخدمات المصرفية، دعماً للشركات الصغيرة والمتوسطة في الدولة، عبر تسهيل وصولها إلى خدمات مصرفية رقمية آمنة وملائمة ومرنة على مدار الساعة، ويتيح التطبيق إصدار رقم حساب مصرفي دولي خلال دقائق على أن يكتمل تفعيل الحساب في غضون 48 ساعة. ويتاح الحساب لجميع الراغبين بالحصول عليه في كل أنحاء الإمارات، دون أي حد أدنى للرصيد.

إن أداة التشغيل المبتكرة ستتيح للشركات في الدولة الاستفادة بسهولة من المبادرات الرائدة التي أعلنها المصرف في إطار حملة "مشاريع الخمسين"، والهادفة لتسريع التنمية الصناعية، واعتماد التكنولوجيا المتقدمة، فضلاً عن دعم ريادة الأعمال والابتكار في الدولة. وتتمثل إحدى المبادرات في دعم الشركات المملوكة بنسبة 51٪ والمدارة فعلياً من قبل مواطنين إماراتيين والتي تعمل في القطاعات الصناعية الرئيسية ذات الأولوية. وستكون هذه الكيانات مؤهلة للحصول على تمويل ضمن مبادرة تمويلية تبلغ قيمتها خمسة مليارات درهم.

 وتهدف مبادرة أخرى بقيمة خمسة مليارات درهم إضافية إلى تسهيل التبني السريع للتكنولوجيا المتقدمة، حيث سيكون رواد الأعمال في القطاعات ذات الأولوية مؤهلين للحصول على التمويل. وسيدعم مصرف الإمارات للتنمية مشاريع جديدة في مجالات التكنولوجيا والرعاية الصحية والأمن الغذائي والتصنيع والبنية التحتية أو سيمول التوسع في المشاريع القائمة.

ولا نبالغ إن قلنا إن هذه الجهود التي بذلها المصرف منذ وضع استراتيجية الجديدة موضع التنفيذ مطلع العام الحالي تحولت بسرعة إلى نموذج للعمل التمويلي التنموي، وقد جذبت إنجازات المصرف اهتماما دوليا واضحاً تكلل بفوز المصرف بجائزة "أفضل ممكّن لبيئة الأعمال لسنة 2021" في ديسمبر الماضي خلال حفل توزيع جوائز "انتربرايز أجيليتي" تقديرا لدوره الحيوي ا لصالح بيئة الأعمال في الإمارات، وأدائه المرن الذي انعكس زيادة في مرونة بيئة الأعمال في الدولة، إلى جانب ما يقدمه لصالح دعم ريادة الأعمال والابتكار والقيمة الوطنية المضافة في الدولة بما يزيد من الجاذبية العامة لبيئة الأعمال الإماراتية.

إن وضع خلاصة التجارب ضمن بيئة العمل المصرفي التجاري في خدمة العمل المصرفي التنموي هي أولوية بالنسبة لي، فحيوية الاقتصاد الإماراتي وشدة ارتباطه بالاقتصاد العالمي تجعل من الضروري بالنسبة للمشاريع التمويلية المدعومة من الحكومات أن تلبي أعلى المعايير الدولية بعقلية مبتكرة لا تكتفي بتوفير التمويل، بل تقدم للمستفيدين التمكين والدعم وتضع أمامهم خريطة الطريق للنجاح، أو تدعمهم في مواجهة التحديات التي هي جزء أساسي من أي عملية تجارية، بل هي الجزء الأهم، لأنها النقطة التي يبدأ معها رائد الأعمال بالبحث عن حلول مبتكرة ترتقي بأسلوب عمله وتفتح أمامه أبواب اقتصاد المعرفة الذي هو اقتصاد المستقبل.

ومن الواضح أن خلق القيمة الحقيقية في الاقتصاد يحدث في ظل منظومة قوية للشركات الصغيرة والمتوسطة. فمن خلال ربط هذه الشركات مع شركاء استثماريين ملتزمين، يمكن لأي اقتصاد أن يطلق العنان للقيمة الرئيسية التي تكمن في الابتكار والمهارة والطموح لدى شركاته الصغيرة. ونحن في مصرف الإمارات للتنمية نهدف إلى تحقيق ذلك.

- أحمد محمد النقبي، الرئيس التنفيذي لمصرف الإمارات للتنمية

Ⓒ 2022 EMIRATES DEVELOPMENT BANK. ALL RIGHTS RESERVED

  • f_in
  • f_fb
  • f_tw
  • f_ln